قبل أيام، أثار مقال للكاتب جو ماثيوز في صحيفة “سان فرانسيسكو كرونيكل” جدلاً واسعاً، إذ قارن بين إنجاز المغرب في بناء السكك الحديدية عالية السرعة، وما آل إليه المشروع الأميركي البطيء التقدم في كاليفورنيا. فبينما تمكن المغرب من إنجاز خط بطول 323 كيلومتراً في وقت وجيز، تقف كاليفورنيا عاجزة عن ربط لوس أنجليس بسان فرانسيسكو بعد 18 عاماً من الوعود.
المفارقة التي دفع إليها جو ماثيوز تلتقطها التساؤلات التي طرحها الكاتب دان والترز مؤخراً حول ما إذا كانت الولاية الغنية تستحق أن تستثمر مليار دولار سنوياً في مشروع يبدو أنه لا ينتهي. فالمقارنة مع المغرب تكشف عن اختلاف صارخ في الإرادة السياسية والقدرة على التنفيذ.
ماذا فعل المغرب في السكك الحديدية عالية السرعة ولماذا تتعثر كاليفورنيا؟
المغرب، الذي يحتل المرتبة 96 عالمياً من حيث الناتج المحلي الإجمالي البالغ 182 مليار دولار، نجح في بناء خط يربط طنجة بالدار البيضاء، ويمتد عبر سهول فيضانية تتطلب 286 منشأة هندسية و13 جسراً، من بينها جسر الحاشف البالغ طوله 3.5 كيلومتر جنوب طنجة. في المقابل، ولاية كاليفورنيا، التي يقترب اقتصادها من 4 تريليونات دولار، ما زالت تتصارع مع مشروعها منذ عام 2008.
هذه المقارنة التي أجراها ماثيوز تسلط الضوء على تناقض صارخ: فالدولة الفقيرة تنجز، والدولة الغنية تتلكأ. يكمن السر في أن كاليفورنيا لم تتعلم من أخطائها، بينما استفاد المغرب من خبرات الآخرين، خصوصاً الشركة الوطنية الفرنسية للسكك الحديدية “SNCF”.
أرقام وإنجازات: مشروع مغربي يقلب الموازين
أنجز المغرب خطه فائق السرعة في فترة قياسية، مقارنة بمشروع كاليفورنيا الذي بدأ في عام 2008 بتمويل أولي قدره 9.95 مليار دولار، على أن يربط لوس أنجليس بسان فرانسيسكو بحلول عام 2020 بتكلفة 33 مليار دولار. لكن الحقيقة مختلفة تماماً.
أول جزء من خط كاليفورنيا، البالغ طوله 171 ميلاً بين ميرسيد وبيكرسفيلد، تقدر تكلفته الآن بنحو 35 مليار دولار، ولن يبدأ خدمته قبل العقد المقبل، في حال اكتماله. هذا يعني أن مشروع السكك الحديدية عالية السرعة، الذي كان من المفترض أن يكون رمزاً لتطوير البنية التحتية في الولاية، تحول إلى عبء مالي وسياسي ضخم.
وفقاً لتحليلات صحافيين متخصصين، فإن الفارق الجوهري يكمن في القرارات الهندسية. فالمغرب اعتمد على خبرة “SNCF” التي نصحت كاليفورنيا في مراحلها المبكرة بمسار مباشر يقلل من الأنفاق الجبلية المكلفة، إلا أن تلك النصيحة جوبهت بالتجاهل، وانسحبت الشركة الفرنسية عام 2011.
Sur le meme sujet
مليار دولار سنوياً: جولة جديدة في صراع ميزانية كاليفورنيا
مع دخول عام 2026، تواجه حكومة كاليفورنيا معضلة حقيقية: هل تستمر في ضخ مليار دولار سنوياً في مشروع يبدو بلا نهاية؟ هذا هو السؤال الذي طرحه دان والترز في مقالته الأخيرة، مستعرضاً التحديات المالية التي تهدد استمرار المشروع.
في السنوات الماضية، كان المشروع يحصل على ربع عائدات بيع تصاريح انبعاثات الغازات الدفيئة، أي نحو مليار دولار سنوياً. وخلال الأشهر الماضية، أُعيدت هيكلة البرنامج وتم تثبيت الحصة السنوية للمشروع 20 عاماً مقبلة، لكن التعديلات الأخيرة خفضت إجمالي الإيرادات بمقدار النصف تقريباً، إلى ملياري دولار سنوياً، وفقاً لمكتب المحلل التشريعي.
هذا يعني أن الحفاظ على تمويل مشروع السكك الحديدية عالية السرعة سيتطلب خفض الإنفاق على مشاريع أخرى، مما يضع الولاية أمام خيارات صعبة تشمل:
- 🚄 استمرار تمويل مشروع السكك الحديدية عالية السرعة بمليار دولار سنوياً
- 🌱 دعم برامج الطاقة النظيفة ومكافحة تغير المناخ التي تعتمد على عائدات الكربون
- 🛣️ إصلاح الطرق السريعة المتضررة من الزلازل والاستخدام المكثف
- 🚌 تطوير أنظمة النقل العام المحلي في المناطق الحضرية
هذه المعادلة المعقدة تثير سؤالاً جوهرياً حول أولويات الإنفاق العام، خاصة في ولاية تواجه عجزاً متوقعاً في ميزانيتها.
دور الخبرة الفرنسية: من كاليفورنيا إلى المغرب
كشفت التحقيقات الصحفية، منها مقال رالف فارتابيديان في صحيفة “نيويورك تايمز” عام 2022، عن تفاصيل مثيرة حول انسحاب “SNCF”. حيث صرح مدير المشروع، دان ماكنمارا، قائلاً: “كانت هناك أشياء كثيرة خاطئة، غادرت الشركة إلى شمال أفريقيا، حيث كانت البيئة أقل عبثية سياسياً”.
لقد توجهت الخبرة الفرنسية إلى المغرب، الذي استفاد منها في بناء نظام سكك حديدية متطور، بينما بقيت كاليفورنيا تراوح مكانها بسبب النفوذ السياسي في اختيار المسار، بدلاً من الاعتبارات الهندسية والاقتصادية.
Sur le meme sujet
بطيء التقدم: هل يصمد المشروع أمام رياح التغيير؟
يمثل قرار غافن نيوسوم والمشرعين في ولاية كاليفورنيا حول تخصيص مليار دولار سنوياً للمشروع لحظة حاسمة. فمع انخفاض عائدات برنامج “الكاب آند إنفست”، يلوح في الأفق شبح تخفيض الدعم، وهو ما قد يوقف العمل فعلياً في المقاطع التي لم تكتمل بعد.
من المفارقة أن استطلاعات الرأي الأخيرة أظهرت أن 67% من ناخبي كاليفورنيا يدعمون بقوة استمرار المشروع، على الرغم من التأخير المستمر وتجاوز التكاليف. هذا الدعم الشعبي، الذي يتناقض مع سلوك المشرعين، يؤكد أن السكك الحديدية عالية السرعة لا تزال تحظى بأمل كبير، رغم أن الواقع يقول شيئاً آخر.
في السياق ذاته، أطلقت هيئة السكك الحديدية عالية السرعة في كاليفورنيا عملية لجذب مستثمرين من القطاع الخاص، وتستهدف استقطاب مطورين بحلول صيف 2026. هذه الخطوة، التي تعكس حاجة ماسة لتمويل إضافي، تُظهر أن المشروع على مفترق طرق، وأن مستقبله قد لا يعتمد على المال العام وحده.
يبقى السؤال الذي طرحه والترز محيراً: هل تستحق كاليفورنيا أن ترمي مليار دولار سنوياً في مشروع قد لا يرى النور إلا بعد سنوات طويلة؟ أم أن الوقت قد حان لإعادة توجيه هذه الأموال نحو حلول نقل أكثر فعالية وواقعية؟
مع استمرار الجدل، تظل التجربة المغربية مثالاً حياً على أن الإرادة السياسية القوية والتخطيط السليم هما مفتاح النجاح، وليس حجم الاقتصاد أو الموارد المالية. فبينما يتقدم المغرب بثبات في توسيع شبكته فائقة السرعة، يبقى مشروع كاليفورنيا مرهوناً بحسابات سياسية ومالية معقدة، قد تطيل أمد معاناته لسنوات إضافية.
Sur le meme sujet

صحفي وكاتب مغربي يتمتع بخبرة تزيد عن خمسة عشر عاماً في تغطية الأخبار المحلية والإقليمية. عمل سابقاً كمراسل ميداني لعدة صحف يومية في الرباط والدار البيضاء قبل انضمامه إلى هيئة تحرير صحيفة أخبار 24، حيث أشرف على خطها التحريري.
مقالات مماثلة
مدة اختبار القدرات وكيفية الاستعداد له بنجاح
اقرأ المقال ←صفقة الهجرة الإسبانية مع المغرب بقيمة 6 مليارات دولار لم توقف تدفق 70 ألف مهاجر
اقرأ المقال ←تحذير شديد: موجة حر شديدة تجتاح مناطق واسعة من المملكة حتى يوم الجمعة
اقرأ المقال ←الكاميرون تواجه مالاوي في نهائي كأس أمم إفريقيا للسيدات – WTOP N
اقرأ المقال ←مديرية الخزينة والمالية الخارجية تعلن عن إطلاق ثلاث عمليات توظيف مالي من فائض الخزينة لتعزيز الأداء المالي
اقرأ المقال ←مئات الأطفال المهاجرين عالقون في سبتة الإسبانية بعد عبور جماعي
اقرأ المقال ←تقرير: الرقم القياسي للإنفاق العالمي على الأسلحة النووية يصل إلى ذروته في عام 2025
اقرأ المقال ←المغرب يعزز الإجراءات الأمنية على حدود سبتة ومليلية بعد دعوات عبر الإنترنت…
اقرأ المقال ←التصنيف العالمي المحدث للفيفا بعد كأس العالم 2026
اقرأ المقال ←