في عالم باتت فيه الأسلحة المتفجرة تتداخل مع الحياة اليومية للمدنيين، يأتي تقرير دولي ليضع رقما صادما في صلب النقاش العام: أكثر من نصف الوفيات المسجلة عالميا بسبب هذه الأسلحة خلال عام 2025 نُسبت إلى الجيش الإسرائيلي، خصوصا في سياق الحرب على غزة. لا يتعامل التقرير مع الأرقام بوصفها إحصاءات باردة، بل كمرآة لمدى تمدد العنف داخل المدن والمخيمات والأحياء المكتظة، حيث يصبح الفرق بين “هدف” و“منزل” ضبابيا، وتتحول البنية التحتية إلى ساحة تدمير متواصل. وبينما أعلن عن وقف لإطلاق النار في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2025، ظل واقع الغارات شبه اليومية يفرض سؤالا ملحا: كيف يمكن تقييم مسؤولية الأطراف في ظل استمرار الضربات، وتزايد هجمات الطائرات المسيرة، واتساع أثر الانفجارات على المدارس والمستشفيات وقوافل المساعدات؟
اللافت أن التقرير لا يحصر المشهد في غزة وحدها؛ بل يرسم خريطة واسعة لـ الصراع العالمي حيث تدفع أوكرانيا وبورما وسوريا والسودان أثمانا كبيرة. ومع ذلك، يبرز عام 2025 بوصفه نقطة انعطاف في حجم الأضرار الموثقة، وفي طبيعة الأهداف المتضررة: مرافق صحية تُضرب، جامعات تتوقف، شبكات مياه تتعطل، وأسواق غذاء تتعرض للانهيار. وفي قلب كل ذلك، يتقدم مفهوم الأمن بوصفه عنوانا متنازعا عليه: أمن من؟ وبأي كلفة؟ هذا النص يتتبع خيوط التقرير، ويقارب الأرقام من زوايا متعددة، مع أمثلة ملموسة وسياقات تشرح كيف تُترجم الإحصاءات إلى حياة يومية تتغير للأبد.
بإيجاز
- 📌 56% من الوفيات المسجلة عالميا بسبب الأسلحة المتفجرة في عام 2025 نُسبت إلى الجيش الإسرائيلي وفق مرصد دولي.
- 🧾 توثيق 22600 مدني بين قتيل وجريح في 65 دولة نتيجة التفجيرات والمسيرات والألغام والذخائر العنقودية.
- 🛑 رغم وقف إطلاق النار المعلن في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2025، استمرت غارات شبه يومية على قطاع غزة.
- 🚁 ارتفاع هجمات الطائرات المسيرة على المدارس في أوكرانيا بنسبة 358%، وتضاعف ضربات المسيرات على مخيمات النازحين في غزة والضفة خمسة أضعاف.
- 🏥 توثيق 1272 حادثة طالت مرافق وفرق صحية، وارتفاع الهجمات على التعليم 64%، وعلى الإغاثة الإنسانية 52% خلال 2025.
- 🔎 التقرير يؤكد أن الأرقام مرجح أن تكون أقل من الواقع بسبب صعوبات التوثيق وعدم احتساب الوفيات غير المباشرة الناتجة عن التدمير والانهيار الخدمي.
تقرير مرصد الأسلحة المتفجرة 2025: كيف صيغت الأرقام ولماذا تُعد مفصلية؟
يعتمد التقرير السنوي لمرصد الأسلحة المتفجرة، وهو تجمع يضم عشرات المنظمات غير الحكومية، على منهجية توثيق تركز على الأضرار داخل المناطق المأهولة. جوهر الفكرة أن الانفجار حين يقع في حي مكتظ لا يترك أثرا موضعيا؛ بل يولد سلسلة من النتائج المتلاحقة: إصابات فورية، صدمات نفسية، نزوح، ثم تدهور تدريجي في الخدمات الأساسية. لذلك، لا يتعامل المرصد مع الوفيات بوصفها نهاية خط، بل كبداية لتداعيات طويلة الأمد.
في عام 2025 وثّق المرصد مقتل أو إصابة ما لا يقل عن 22600 مدني بسبب الأسلحة المتفجرة عبر 65 دولة. هذا الرقم يتضمن حالات ثبت ارتباطها المباشر بالسلاح المتفجر: قصف، ضربات مسيرة، ألغام مضادة للأفراد، وذخائر عنقودية. أما ما لا يتضمنه الرقم فهو “الفاتورة غير المرئية”: وفيات تحدث لاحقا لأن مستشفى قُصف، أو لأن شبكة مياه تعطلت، أو لأن طريقا إنسانيا أُغلق. هنا تتضح حساسية التقرير: إنه يضع الحد الأدنى الموثق، لا الحد الأقصى المحتمل.
أحد المحاور المفصلية في التقرير هو توزيع مسؤولية الوفيات المسجلة. إذ تُنسب 56% من جميع الوفيات الموثقة عالميا إلى الجيش الإسرائيلي، خصوصا ضمن حربه على قطاع غزة ردا على هجوم 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023. هذا لا يعني أن بقية المناطق أقل دموية، لكنه يعني أن حجم الحصيلة الموثقة في غزة—ضمن إطار زمني واحد—كان طاغيا إلى درجة أعادت ترتيب خريطة الضحايا عالميا.
ولتقريب الصورة، يمكن تخيل “يوم توثيق” نموذجي يعمل عليه مراقبو المرصد: خبر عاجل عن ضربة في منطقة سكنية، ثم سباق بين شهادات شهود، وبيانات مستشفيات، وصور أقمار صناعية، ومقاطع تحقق جغرافي. وفي النزاعات التي يصعب الوصول إليها، قد يظل الحدث بلا توثيق كافٍ أو يتأخر لأشهر. لذلك يكرر التقرير تنبيها منهجيا: الأرقام المعلنة أقل من الواقع على الأرجح، لا لأنها مُبالغ فيها، بل لأنها تلتزم بما يمكن إثباته.
ولأن التوثيق يرتبط باللغة القانونية والحقوقية، يحرص التقرير على التفريق بين “الحوادث” و“الضحايا”. فقد تكون هناك حادثة واحدة تُنتج عشرات الإصابات، أو سلسلة من الحوادث الصغيرة التي تستهلك القدرة الطبية والإغاثية تدريجيا. هذا التفريق مهم لفهم كيف يتولد العنف على شكل نبضات متقطعة أو موجات كاسحة، وكيف يُعاد تعريف الأمن في المدن تحت القصف: أمن يساوي القدرة على الوصول للمشفى، لا السيطرة على حدود.
اللافت أيضا أن التقرير لا يكتفي بالأرقام العامة، بل يراقب أنماط الاستهداف التي تصنع “الضرر المتكرر”: مدارس تُضرب ثم تُستخدم كملاجئ، مخيمات تُقصف ثم يُعاد تجميع النازحين فيها، قوافل مساعدات تتعرض لهجمات ثم تتغير طرق الإمداد، ما يخلق اختناقات إضافية. هذه القراءة تجعل التقرير وثيقة تتجاوز التوصيف إلى تشخيص ديناميكيات الصراع في عصر المسيرات والضربات الدقيقة ظاهريا، الواسعة أثرا عمليا.
ومن هذه الزاوية، يصبح سؤال المرحلة التالية منطقيا: إذا كان الرقم موثقا كحد أدنى، فأين يظهر “الأثر الحقيقي” على الأرض؟ هنا ينتقل النقاش مباشرة إلى غزة بوصفها مركز الثقل في تقرير 2025.
Sur le meme sujet
عام 2025 وغزة: مسؤولية الجيش الإسرائيلي بين وقف النار المعلن واستمرار العنف الميداني
يشير التقرير إلى أن النسبة الأكبر من الوفيات المنسوبة عالميا تعود إلى عمليات الجيش الإسرائيلي، خصوصا في غزة. وفي قراءة سياقية، لا تتعلق المسألة بكثرة القصف وحدها، بل بطبيعة البيئة المستهدفة: شريط ساحلي كثيف السكان، بنية تحتية هشة بفعل سنوات حصار وحروب متكررة، ومشهد نزوح يجعل “المدنيين المتحركين” أكثر عرضة للضربات من “المدنيين المقيمين”. كل ذلك يرفع احتمالات القتل والإصابة حتى عندما يكون عدد الحوادث أقل من ساحات أخرى.
رغم الإعلان عن وقف لإطلاق النار في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2025، يذكر التقرير أن القطاع ظل يتعرض لغارات شبه يومية. هذا التناقض بين الإعلان السياسي والواقع الميداني يولد مساحة رمادية تُستخدم عادة لتبرير كل طرف لسلوكه: طرف يتحدث عن “خروقات”، وآخر يصف ما يحدث بأنه “استمرار للحرب”. لكن في قياس المرصد، الضحية لا تعنيها التسميات؛ ما يهم هو الأثر: الوفيات والإصابات، ثم موجات التدمير التي تمتد إلى ماء وغذاء ودواء.
لتوضيح كيف تتشكل هذه الموجات، يمكن الاستناد إلى حالة افتراضية لكنها شديدة الواقعية: عائلة نازحة استقرت قرب مدرسة تحولت إلى مركز إيواء. ضربة واحدة في محيط المكان لا تعني فقط إصابات فورية؛ بل تعني أيضا أن المدرسة قد تُغلق، وأن طاقم الإسعاف قد يتردد في الوصول، وأن نقطة توزيع المساعدات القريبة قد تؤجل عملها ليوم أو يومين. النتيجة أن أثر السلاح المتفجر يخرج من “لحظة الانفجار” إلى “اقتصاد الخوف”، حيث تُدار الحياة بمنطق الاحتمال: هل الطريق آمن؟ هل المشفى يعمل؟ هل السوق مفتوح؟
ضربات المسيرات ومخيمات النازحين: الأرقام التي تعيد تعريف المخاطر
يسلط التقرير الضوء على قفزة كبيرة في ضربات الطائرات المسيرة على مخيمات النازحين في غزة والضفة الغربية المحتلة: من 64 حادثة في 2024 إلى 303 في 2025، أي زيادة بنحو خمسة أضعاف. هذه القفزة ليست رقما تقنيا فقط؛ إنها تعني أن “أماكن الاحتماء” صارت جزءا من مسرح الخطر. في سياق النزوح، غالبا ما يختار الناس مواقع قريبة من الخدمات أو من طرق المساعدات، ما يزيد كثافة المدنيين ويجعل أي ضربة أكثر فتكًا.
في هذا التحول، تظهر معضلة الأمن بحدة: حين يصبح المخيم هدفا أو يتعرض لأذى متكرر، تنهار فكرة “الملاذ” نفسها. وتبدأ العائلات في التنقل بين نقاط أقل اكتظاظا لكنها أبعد عن الغذاء والطبابة. هنا ينتقل الأذى من “مباشر” إلى “إداري-معيشي”: سوء تغذية، تأخر علاج، انهيار متابعة الأمراض المزمنة، وزيادة وفيات غير محسوبة ضمن إحصاءات السلاح المتفجر.
هجمات على التعليم والصحة والإغاثة: حين يتحول التدمير إلى نظام
يورد التقرير أرقاما واسعة عن الهجمات على المرافق الأساسية خلال 2025: 1272 حادثة طالت مرافق وفرق صحية، و1416 حادثة طالت مدارس وجامعات بزيادة 64%، و2541 حادثة مست عمليات الإغاثة الإنسانية بزيادة 52%. هذه الأرقام، حتى دون الدخول في تفاصيل كل ساحة، ترسم نمطا: التدمير لا يقتصر على مبانٍ؛ بل يضرب وظائف المجتمع.
عندما تُقصف مدرسة، لا تضيع حصة دراسية فقط؛ يضيع “المكان المنظم” الذي يمنح الأطفال روتينا، ويمنح الأسر إمكانية البحث عن ماء أو طعام دون اصطحاب الجميع. وعندما يتعرض طاقم صحي للخطر، تصبح غرف الطوارئ أقل قدرة على استقبال المصابين، فتزداد وفيات كان يمكن تفاديها. أما ضرب الإغاثة، فيعني أن الناس قد يتزاحمون أكثر في نقاط توزيع أقل عددا، ما يرفع احتمالات الحوادث ويضاعف الضغط. في النهاية، يتحول العنف إلى منظومة تُنتج نفسها.
وبينما يضع التقرير غزة في قلب المشهد، فإنه يفتح الباب لسؤال مقارن: هل يقتصر هذا النمط على ساحة واحدة، أم أن 2025 شهد تحولات عالمية في استخدام المسيرات والأسلحة المتفجرة داخل المدن؟ الجواب يظهر بوضوح عند النظر إلى أوكرانيا وغيرها.
Sur le meme sujet
خريطة الصراع العالمي في تقرير 2025: أوكرانيا وبورما وسوريا والسودان تحت ضغط الأسلحة المتفجرة
يرسم التقرير مشهدا دوليا لا يقل قسوة خارج غزة. ففي أوكرانيا وبورما وسوريا والسودان، يذكر المرصد أن القوات الحكومية تتحمل 85% من جميع الحوادث التي تسببت في ضرر للمدنيين. لا يهدف هذا التحديد إلى تبرئة أطراف أخرى بقدر ما يعكس حقيقة أن من يملك التفوق الناري والقدرة الجوية غالبا ما يحدد إيقاع الخسائر في المدن والقرى.
أبرز مثال عددي يورده التقرير يتعلق بأوكرانيا: ارتفاع هجمات الطائرات المسيرة التي تطال المدارس بنسبة 358%. وراء هذه النسبة قصة “حرب على الزمن”: المدرسة ليست مبنى تعليميا فقط، بل مركزا للدفء في الشتاء، ونقطة تجمع مجتمعي، وأحيانا ملجأ. حين تصبح المدارس ضمن أهداف المسيرات، يتحول التعليم إلى نشاط طارئ يُمارس عن بعد أو في أقبية، وتفقد العائلات بوصلة الاستقرار.
في بورما وسوريا والسودان، تختلف التفاصيل لكن تتشابه النتيجة: نزاعات متعددة المستويات، مناطق نفوذ متداخلة، ومساحات واسعة من المدنيين المحاصرين بين خطوط تماس. في هذه البيئات، تتضاعف صعوبة التوثيق، ويصبح “الحد الأدنى الموثق” أكثر تواضعا من الواقع. لذلك يُعد تقرير 2025، بمنهجيته التحفظية، بمثابة إشارة إنذار: إذا كان هذا ما أمكن إثباته، فما الذي لم يمكن الوصول إليه؟
جدول مقارنة: مؤشرات مختارة من تقرير الأسلحة المتفجرة لعام 2025
| المؤشر 📊 | القيمة في التقرير 🧾 | دلالة مرتبطة بالأمن 🔐 |
|---|---|---|
| مدنيون قتلى/جرحى بسبب الأسلحة المتفجرة 🌍 | 22600 في 65 دولة | توسع نطاق الخطر خارج جبهات القتال التقليدية |
| نسبة الوفيات المنسوبة للجيش الإسرائيلي ⚖️ | 56% من الوفيات المسجلة عالميا | مركز ثقل عالمي للأذى المدني في 2025 |
| هجمات على مرافق وفرق صحية 🏥 | 1272 حادثة | الأمن الصحي يصبح جزءا من معادلة الصراع |
| هجمات على المدارس والجامعات 🎓 | 1416 حادثة (+64%) | تهديد المستقبل عبر تعطيل التعليم |
| هجمات على الإغاثة الإنسانية 🚚 | 2541 حادثة (+52%) | تضييق قنوات النجاة وإطالة أمد المعاناة |
| زيادة مسيرات تستهدف مدارس أوكرانيا 🚁 | 358% | المدن تتعرض لحرب استنزاف خدمية |
هذه المقارنة لا تقارن “المآسي” بقدر ما تساعد على فهم كيف تتغير طبيعة الحروب: لم تعد المواجهة محصورة بخطوط جبهة، بل أصبحت تستهدف—أو تصيب—عقد الحياة المدنية. ومن هذا المنطلق، يتضح لماذا يركز التقرير على مفهوم المناطق المأهولة: لأن انفجارا واحدا قد يغيّر مدينة كاملة لأشهر.
وللاقتراب أكثر من أثر هذه الحوادث على الناس، يحتاج النقاش إلى النزول من مستوى الدولة إلى مستوى الشارع: كيف تعيش عائلة حين تتحول المدرسة والمشفى والسوق إلى نقاط خطر؟ هذا ما تقاربه الفقرة التالية عبر سرد عملي وأسئلة محورية.
Sur le meme sujet
التدمير غير المباشر: لماذا قد تكون الوفيات أقل من الواقع وما الذي لا تظهره الإحصاءات؟
يشدد التقرير على أن الأرقام لا تشمل إلا الأضرار التي ثبت ارتباطها المباشر بـ الأسلحة المتفجرة، وأنها على الأرجح أقل من الواقع. هذا التقدير لا يستند إلى افتراضات فضفاضة، بل إلى واقع التوثيق في مناطق النزاع: بعض المناطق مغلقة أمام الصحافة والمنظمات، بعض الحوادث تقع ليلا دون شهود، وبعض السجلات الطبية تتعرض للضياع مع التدمير أو انقطاع الكهرباء والاتصالات. وعندما تتراكم هذه العوامل، يصبح “غير الموثق” جزءا كبيرا من القصة.
الأهم من ذلك أن هناك ما يمكن تسميته “سلسلة الوفيات غير المباشرة”. مثال واقعي متكرر في النزاعات: ضربة تصيب محيط مستشفى أو تقطع الطريق إليه، فيتأخر علاج حالات النزف أو الولادة المعقدة. هذه الوفيات لا تُسجل دائما ضمن ضحايا الانفجار نفسه، لكنها مرتبطة به بشكل سببي واضح. كذلك يؤدي تعطيل محطات المياه إلى انتشار أمراض معوية، وقد تتحول عدوى بسيطة إلى وفاة لدى الأطفال أو كبار السن بسبب نقص المضادات الحيوية. هنا يصبح الأمن مسألة بنية تحتية قبل أن يكون مسألة عسكرية.
حكاية خط إمداد: كيف تتوسع دائرة الضرر بعد الضربة؟
لإيضاح الفكرة، يمكن تتبع سيناريو متكرر في مناطق الصراع: قافلة مساعدات كانت مقررة للوصول إلى نقطة توزيع. ضربة في الطريق تؤدي إلى تعليق الحركة لساعات. خلال هذه الساعات، يتجمع الناس في المكان المحدد دون أن تأتي الشاحنات. يبدأ التوتر، ثم تقع مشاجرات أو تدافع. قد يتدخل مسلحون لتنظيم الصفوف أو تفريقها، فتزداد احتمالات الأذى. في النهاية، يكون الانفجار قد أنتج سلسلة من العنف الاجتماعي لا تظهر في إحصاء الضحايا المباشرين، لكنها نتيجة مترتبة عليه.
ومن زاوية أخرى، فإن تكرار ضرب البنية التعليمية والصحية والإغاثية—كما توضح أرقام 1272 و1416 و2541—لا يعني فقط أضرارا آنية، بل يعني “تآكلا في القدرة على الاستجابة”. أي أن المدينة أو المخيم يصبح أقل قدرة على التعامل مع الضربة التالية. وهذا ما يفسر لماذا تبدو بعض المناطق وكأنها تنهار بسرعة: ليست الضربة الأخيرة وحدها، بل تراكم الضربات السابقة.
قائمة مؤشرات تساعد على قراءة أثر الأسلحة المتفجرة خارج أرقام الوفيات
- 🏥 زمن الوصول إلى أقرب نقطة طبية بعد كل حادثة: هل ازداد؟
- 🚰 استمرارية المياه في الأحياء: هل تراجعت ساعات الضخ؟
- 📚 عدد أيام توقف المدارس مقارنة بالشهر السابق.
- 🧂 أسعار الغذاء في الأسواق المحلية بعد انقطاع الطرق.
- 🧠 مستوى الصدمة النفسية: زيادة نوبات الهلع لدى الأطفال، اضطرابات النوم.
- 🧯 قدرة فرق الإنقاذ على العمل: نقص الوقود، انقطاع الاتصالات، خطر الاستهداف.
هذه المؤشرات لا تلغي أهمية رقم الوفيات، لكنها تمنع اختزال الحكاية في عدٍّ رقمي. وفي لحظة يشتد فيها الجدل حول مسؤولية الأطراف، تصبح قراءة الأثر الشامل ضرورة أخلاقية وعملية: لأن السياسات الإنسانية لا تُبنى على عدد القتلى فقط، بل على كيفية منع القتلى التاليين.
وبما أن التقرير يعرض أيضا تحولات تقنية—خاصة في استخدام المسيرات—فإن الانتقال التالي المنطقي هو فهم كيف تغيرت أدوات الحرب، وكيف ينعكس ذلك على المدنيين وعلى تعريف الأمن في المدن.
يتكرر في التغطيات المرئية سؤال “لماذا تتزايد المسيرات؟”. الجواب غالبا مركب: انخفاض كلفة التشغيل مقارنة بالطائرات التقليدية، القدرة على البقاء في الجو مدة أطول، وإمكانية استخدام معلومات آنية. لكن هذه المزايا العسكرية تتحول في المدن المكتظة إلى عامل خطر دائم، لأن السماء تصبح جزءا من المشهد اليومي للناس، لا مجرد ساحة بعيدة.
Sur le meme sujet
تحولات السلاح والتوثيق: المسيرات، الهجمات على المدارس، ومعادلة الأمن في المدن
أبرز ما يلفت في تقرير 2025 ليس فقط حجم الضحايا، بل تحوّل أدوات القتال إلى أدوات مراقبة وضرب متكرر. عندما يتحدث التقرير عن ارتفاع ضربات المسيرات على مخيمات النازحين في غزة والضفة، أو عن زيادة استهداف المدارس في أوكرانيا بنسبة 358%، فهو يلمّح إلى “اقتصاد جديد” للحرب: القدرة على تنفيذ ضربات متتابعة بزمن أقصر، وبمخاطر أقل على المنفذ، ما قد يرفع وتيرة الأحداث التي يحتاج المدنيون للتكيف معها.
في المدن، لا تُقاس الكارثة بعدد الضربات فقط؛ بل بتغيير السلوك الجماعي. إذا شعر الناس أن المدرسة قد تُستهدف، سيتراجع الإقبال على التعليم الحضوري. إذا اعتقدت الأسر أن السوق قد يتعرض لانفجار أو قصف، ستتجه للتخزين والشراء المسبق، ما يرفع الأسعار ويخلق ندرة. وإذا بدا أن طرق المساعدات غير مستقرة، ستبدأ موجات نزوح جديدة بحثا عن نقاط أكثر “أمنا”، حتى لو كانت أقل ملاءمة للعيش. هكذا ينتقل أثر الأسلحة المتفجرة من الجغرافيا إلى الاقتصاد ثم إلى النفس.
أداة عملية لفهم التصعيد: خط زمني تفاعلي للبيانات الرئيسية
—
للتنقّل عبر لوحة المفاتيح: استخدم السهمين يمين/يسار، واضغط Enter على النقطة المحددة.
في سياق التوثيق، تضيف المسيرات طبقة جديدة من التعقيد: قد تقع الضربة في مكان بعيد عن الصحافة، لكن تكون هناك آثار فيديو أو بيانات رقمية يمكن التحقق منها. بالمقابل، قد تُحجب البيانات أو تتشوش بسبب انقطاع الإنترنت والكهرباء. لذلك يتطور التوثيق إلى مزيج بين الشهادة البشرية والقرائن الرقمية. وهذا ما يجعل التقرير، المنشور في 2026 عن أحداث 2025، وثيقة تتطلب قراءة نقدية: لا لأن الأرقام ضعيفة، بل لأنها تُبنى على ما أمكن تثبيته ضمن قيود قاسية.
وفي خضم هذه التحولات، يظل السؤال الأساسي: ماذا يعني الأمن للمدنيين؟ هل يعني غياب إطلاق النار؟ أم يعني قدرة الطفل على الذهاب للمدرسة دون خوف؟ وقدرة الأم على الوصول إلى رعاية طبية؟ وقدرة فرق الإغاثة على الحركة؟ التقرير يلمّح إلى أن الأمن، في زمن العنف المتفجر، صار شبكة من التفاصيل الصغيرة التي إن تعطلت واحدة منها انهارت بقية الشبكة.
هذا يقود إلى زاوية أخيرة ضرورية: كيف يمكن للقراء وصناع القرار والمنظمات فهم معنى “المسؤولية” في التقارير، وما الذي يمكن فعله لتقليل الأذى عندما تستمر النزاعات؟
التحليلات المصورة تساعد على تفكيك الأرقام إلى قصص: مدرسة تُغلق فتتغير حياة حي كامل، ومشفى يتعطل فتتضاعف الوفيات غير المباشرة. بهذا المعنى، يصبح فهم التقرير خطوة أولى، بينما الخطوة التالية هي تحويل المعرفة إلى إجراءات حماية وتوثيق ومساءلة.
ماذا يعني أن 56% من الوفيات المسجلة عالميا نُسبت إلى الجيش الإسرائيلي في عام 2025؟
يعني ذلك أن تقرير مرصد الأسلحة المتفجرة وثّق—ضمن قاعدة بياناته للحوادث المثبتة—أن أكثر من نصف الوفيات العالمية الناتجة مباشرة عن الأسلحة المتفجرة خلال عام 2025 ارتبطت بعمليات الجيش الإسرائيلي، خصوصا في غزة. النسبة تتعلق بالوفيات المسجلة في التقرير، لا بكل الوفيات المحتملة غير القابلة للتوثيق.
هل تشمل أرقام التقرير الوفيات غير المباشرة مثل الوفاة بسبب انهيار النظام الصحي؟
لا. التقرير يركز على الأضرار التي ثبت ارتباطها المباشر بالأسلحة المتفجرة. لذلك لا تدخل ضمن الأرقام وفيات قد تنتج لاحقا عن تدمير المستشفيات أو تعطل المياه أو نقص الدواء، رغم أن هذه التداعيات قد تكون واسعة.
ما المقصود بالأسلحة المتفجرة في هذا السياق؟
يشمل المصطلح أدوات مثل القصف الجوي والمدفعي، ضربات الطائرات المسيرة، الألغام المضادة للأفراد، والذخائر العنقودية، عندما تؤدي إلى انفجارات تُحدث أضرارا واسعة خاصة داخل المناطق المأهولة بالسكان.
لماذا يذكر التقرير أوكرانيا وبورما وسوريا والسودان إلى جانب غزة؟
لأن التقرير يرصد الأذى المدني عالميا ويقارن أنماط العنف في ساحات متعددة. وقد أشار إلى أن القوات الحكومية في تلك البلدان مسؤولة عن 85% من الحوادث التي سببت ضررا للمدنيين، كما أبرز تصاعد هجمات المسيرات على المدارس في أوكرانيا.
Sur le meme sujet

صحفي وكاتب مغربي يتمتع بخبرة تزيد عن خمسة عشر عاماً في تغطية الأخبار المحلية والإقليمية. عمل سابقاً كمراسل ميداني لعدة صحف يومية في الرباط والدار البيضاء قبل انضمامه إلى هيئة تحرير صحيفة أخبار 24، حيث أشرف على خطها التحريري.