مونديال 2026: المنتخب الأردني يواجه خسارة في مباراته الافتتاحية ضد النمسا

تابع خسارة المنتخب الأردني في مباراته الافتتاحية بمونديال 2026 ضد النمسا، مع تحليل لأداء الفريق وتوقعات المباريات القادمة.

تفاصيل الشوط الأول من المباراة التاريخية بين الأردن والنمسا في سانتا كلارا

في ليلة كروية ستبقى محفورة في ذاكرة الجماهير العربية، شهد ملعب ليفايز بمدينة سانتا كلارا في ولاية كاليفورنيا الأمريكية، انطلاق أولى خطوات النشامى في نهائيات كأس العالم 2026. كانت الأجواء مشحونة بالترقب والتوتر الإيجابي، حيث توافدت الجماهير الأردنية من مختلف الولايات الأمريكية ومن قارات أخرى لدعم فريقها في هذا الظهور المونديالي الأول. لم تكن مجرد مباراة كرة قدم، بل كانت تتويجا لسنوات من التخطيط المنهجي والعمل الدؤوب الذي قاد الكرة الأردنية إلى أكبر مسرح رياضي عالمي. واجه الفريق تحديا بدنيا وتكتيكيا من العيار الثقيل أمام منتخب النمسا، الذي دخل البطولة بآمال كبيرة وتشكيلة مدججة بالنجوم المحترفين في كبرى الدوريات الأوروبية. منذ الدقيقة الأولى، اتضح أن المعركة في وسط الملعب ستكون حاسمة لتحديد هوية المسيطر على إيقاع اللعب، حيث اعتمدت النمسا على الضغط العالي المتقدم لحرمان لاعبي الأردن من بناء الهجمات براحة.

مع مرور الربع ساعة الأول، بدأت النوايا الهجومية للمنتخب النمساوي تتضح بشكل جلي. لقد اعتمدوا على التمريرات القطرية السريعة والتحولات المباغتة من الدفاع إلى الهجوم. وفي الدقيقة 20 من عمر الشوط الأول، حدث ما كانت تخشاه الجماهير الأردنية، حيث تمكن اللاعب النمساوي الموهوب رومانو شميد من فك شفرة الدفاع الأردني. جاء الهدف إثر هجمة منسقة بدأت من الطرف الأيمن، تبعتها تمريرة عرضية دقيقة وجدت شميد متمركزا بشكل مثالي داخل منطقة الجزاء، ليسدد كرة قوية سكنت الشباك، مانحا منتخب بلاده التقدم المبكر. هذا الهدف لم يكن وليد الصدفة، بل كان نتيجة دراسة عميقة لثغرات التمركز في الخط الخلفي، كما نشاهد دائما في تحليل المباريات التكتيكية الكبرى، حيث أن التمركز الخاطئ لثوانٍ معدودة يكلف الفرق الكثير في البطولات المجمعة.

بعد تلقي شباكه الهدف الأول، وجد المنتخب الأردني نفسه مجبرا على تغيير مقاربته التكتيكية. الخطة الأصلية التي اعتمدت على التكتل الدفاعي وامتصاص حماس الخصم لم تعد مجدية. كان لزاما على خط الوسط أن يتقدم خطوات للأمام، وأن يبدأ ظهيرا الجنب في تقديم الدعم الهجومي. شهدنا في الدقائق التي تلت الهدف تحسنا نسبيا في الاستحواذ الأردني على الكرة، حيث حاول النشامى تدوير الكرة واستكشاف المساحات خلف خط الدفاع النمساوي المتقدم. تم تنفيذ عدة محاولات لاختراق العمق، لكن التمركز الدفاعي الصلب للنمساويين والاعتماد على افتكاك الكرة في مناطق مبكرة حال دون تشكيل خطورة حقيقية على المرمى. لقد كانت فترة حرجة تطلبت صمودا ذهنيا كبيرا لعدم استقبال هدف ثانٍ يعقد المهمة تماما.

في الربع الأخير من الشوط الأول، كثف الأردن من هجماته، محاولا استغلال الركلات الثابتة والركنيات كحلول بديلة للوصول إلى الشباك. ظهرت بعض الملامح الهجومية الواعدة بفضل التحركات النشطة للأجنحة، لكن اللمسة الأخيرة غابت عن المهاجمين. في المقابل، تراجع المنتخب النمساوي قليلا لتنظيم صفوفه والاعتماد على الهجمات المرتدة التي شكلت قلقا مستمرا للدفاع الأردني. انتهت الجولة الأولى بتقدم النمسا بهدف نظيف، تاركة الجهاز الفني الأردني أمام مهمة معقدة في غرفة الملابس لإعادة ترتيب الأوراق وتصحيح الأخطاء التكتيكية قبل انطلاق الشوط الثاني، وسط ترقب جماهيري لمعرفة قدرة الفريق على العودة في النتيجة في هذا المحفل العالمي.

إن تحليل مجريات هذا الشوط يظهر بوضوح الفوارق في الخبرة المونديالية. المنتخب النمساوي عرف متى يضغط ومتى يتراجع، مستفيدا من التفوق البدني في الالتحامات الثنائية. بينما أظهر المنتخب الأردني احتراما مبالغا فيه للخصم في الدقائق الأولى، مما سمح للنمسا بفرض أسلوبها. ومع ذلك، فإن ردة الفعل المنهجية التي أظهرها النشامى في أواخر الشوط الأول أعطت مؤشرات إيجابية على أن المباراة لم تنتهِ بعد، وأن التعديلات التكتيكية الصحيحة قد تقلب الموازين. بقيت الآمال معلقة على الشوط الثاني، الذي وعد بكونه مسرحا لتغييرات جذرية في استراتيجية اللعب لكلا الفريقين.

Sur le meme sujet

الصحوة الأردنية وهدف علي علوان التاريخي في مونديال 2026

مع انطلاق صافرة بداية الشوط الثاني، بدا واضحا أن هناك تغييرا جذريا في العقلية التي دخل بها لاعبو المنتخب الأردني إلى أرضية الملعب. التوجيهات التي تلقاها الفريق في غرفة تغيير الملابس أثمرت عن تحول تكتيكي ملحوظ، حيث تحرر اللاعبون من الضغوط النفسية التي صاحبت الشوط الأول. تم تطبيق نظام ضغط متوسط إلى عالي، مما أجبر خط وسط المنتخب النمساوي على ارتكاب أخطاء في التمرير. هذا التغيير المنهجي لم يكن مجرد اندفاع بدني، بل كان مدروسا بعناية لتقليص المسافات بين الخطوط ومنع الخصم من بناء هجماته بأريحية. أظهر النشامى شجاعة كبيرة في الاحتفاظ بالكرة وتبادل التمريرات القصيرة والسريعة، مما خلق ارتباكا واضحا في صفوف الدفاع النمساوي الذي لم يتوقع هذه الانتفاضة السريعة.

التتويج الفعلي لهذه الصحوة التكتيكية جاء سريعا ومبهجا. ففي الدقيقة 50 من عمر المباراة، وبعد سلسلة من التمريرات المتقنة التي تدرجت من الخط الخلفي مرورا بالوسط، وصلت الكرة إلى مناطق الخطر النمساوية. هنا، ظهرت القيمة الفنية العالية للنجم الأردني علي علوان. بفضل تمركزه الذكي وقدرته على قراءة المساحات المتاحة، استلم علوان الكرة، وبحركة فنية رائعة تخلص من الرقابة الدفاعية، ليطلق تسديدة صاروخية ودقيقة استقرت في شباك الحارس النمساوي. هذا الهدف لم يكن مجرد نقطة لتعديل الكفة في مباراة كرة قدم، بل كان أول هدف في تاريخ الأردن في نهائيات كأس العالم، لحظة توقف عندها الزمن لتسجل بأحرف من ذهب في السجلات الرياضية العالمية. انفجرت المدرجات بالفرحة، وعمت الاحتفالات بين الجماهير التي انتظرت هذه اللحظة لعقود طويلة.

الهدف التاريخي لعلي علوان أعاد المباراة إلى نقطة الصفر، وأعاد خلط الأوراق التكتيكية بالكامل. المنتخب الأردني، منتشيا بالتعادل، واصل اندفاعه الهجومي المدروس، باحثا عن هدف التقدم الذي قد يضعهم في صدارة المجموعة العاشرة. التحركات من الأطراف أصبحت أكثر خطورة، والعرضيات داخل منطقة الجزاء خلقت حالة من الذعر في دفاعات النمسا. من جهته، وجد المنتخب النمساوي نفسه تحت ضغط لم يعهده في الشوط الأول، وبدأ مدربه في التفكير السريع لإجراء تبديلات تعيد التوازن لفريقه. لقد أثبت الأردن في تلك الدقائق أنه يمتلك الجودة الفنية والصلابة الذهنية لمقارعة المنتخبات الأوروبية القوية، وأن وجوده في مونديال 2026 ليس مجرد مشاركة شرفية بل هو إثبات للذات.

هذا التحول الإيجابي في الأداء يسلط الضوء على أهمية العامل النفسي في البطولات الكبرى. فبمجرد زوال رهبة البداية، تمكن اللاعبون من إظهار إمكاناتهم الحقيقية. خط الوسط الأردني تحمل عبئا كبيرا في هذه المرحلة، حيث كان مطالبا بالمساندة الهجومية المستمرة مع عدم إهمال الواجبات الدفاعية خوفا من المرتدات النمساوية السريعة. التوازن الذي خلقه الفريق في تلك الفترة الزمنية يعكس نضجا تكتيكيا متقدما. لقد أدرك اللاعبون أن الاحتفاظ بالكرة هو أفضل وسيلة للدفاع، وأن حرمان الخصم من الاستحواذ يقلل من خطورته بشكل فعال، وهو نهج تتبعه المنتخبات التي تبحث عن تحقيق مفاجآت أمام فرق تفوقها في التصنيف العالمي.

رغم السيطرة الأردنية النسبية بعد هدف التعادل، إلا أن المباريات من هذا المستوى تتطلب تركيزا ذهنيا لا ينقطع حتى صافرة النهاية. الجهد البدني الكبير الذي بذله لاعبو الأردن لإدراك التعادل وفرض السيطرة بدأ يترك أثره تدريجيا مع اقتراب منتصف الشوط الثاني. في هذه الأثناء، بدأت خبرة المنتخب النمساوي تطفو على السطح، حيث عملوا على تهدئة إيقاع اللعب وامتصاص الفورة الأردنية، تمهيدا لشن هجمات منظمة تستهدف استغلال أي مساحات قد تظهر نتيجة التقدم الهجومي للنشامى. لقد كانت هذه الدقائق بمثابة لعبة شطرنج معقدة بين المدربين، كل منهما ينتظر خطأ الآخر لتوجيه الضربة القاضية في مواجهة لا تقبل القسمة على اثنين.

https://www.youtube.com/watch?v=gziBfEXK3N4

Sur le meme sujet

تدخل تقنية الفيديو والنيران الصديقة تحسم مواجهة سانتا كلارا

كرة القدم الحديثة لم تعد تعتمد فقط على المهارات الفردية أو التكتيكات الجماعية، بل أصبحت التكنولوجيا جزءا لا يتجزأ من حبكة المباريات وإثارتها. في الدقيقة 67، شهدت المباراة واحدا من أهم المنعطفات الدرامية التي غيرت مجرى الأحداث. المنتخب النمساوي، الذي كثف من محاولاته الهجومية، تمكن من اختراق الدفاع الأردني، ونجح المخضرم ماركو أرناوتوفيتش في وضع الكرة داخل الشباك. احتفل النمساويون بالهدف الذي بدا أنه سيعيد لهم التقدم، لكن التدخل الحاسم جاء من غرفة تقنية الفيديو المساعد (الڤار). بعد مراجعة دقيقة ومكثفة للقطة من زوايا متعددة، استدعى حكم الساحة لمشاهدة الشاشة الجانبية، ليتبين وجود لمسة يد واضحة في بناء الهجمة. ألغي الهدف، وعادت الآمال ترفرف في سماء المعسكر الأردني، في لحظة أثبتت أهمية التكنولوجيا في تحقيق العدالة، ولكنها في الوقت ذاته رفعت منسوب التوتر في أرض الملعب إلى مستويات غير مسبوقة.

هذا الإلغاء كان من المفترض أن يمنح المنتخب الأردني دفعة معنوية إضافية للحفاظ على التعادل أو حتى خطف هدف الفوز، لكن ما حدث كان العكس تماما. الضغط النمساوي لم يتوقف، بل تضاعف بشكل شرس. وفي إحدى الهجمات السريعة، وأثناء محاولة يائسة لإبعاد الخطر عن منطقة الجزاء الأردنية، حدث السيناريو الأسوأ. المدافع يزن العرب، الذي قدم أداء بطوليا طوال مجريات اللقاء، وجد نفسه في موقف معقد ليتدخل بشكل خاطئ، مودعا الكرة بالخطأ في مرماه (نيران صديقة). هذا الهدف العكسي شكل صدمة قوية ومحبطة لللاعبين والجماهير على حد سواء. فالاستقبال بهذه الطريقة، بعد صمود طويل ومجهود بدني جبار، يترك أثرا نفسيا يصعب تجاوزه في الدقائق المتبقية من مباراة حاسمة في بطولة بحجم كأس العالم.

لتحليل أسباب هذا التراجع الدرامي، يمكننا إبراز النقاط المفصلية التالية التي أدت إلى فقدان السيطرة في الدقائق الأخيرة:

  • 🚨 الإرهاق البدني: المجهود الخرافي الذي بذل لإدراك التعادل استنزف طاقة اللاعبين بشكل ملحوظ.
  • 📉 فقدان التركيز الذهني: التوتر الناتج عن تدخلات الڤار والضغط العالي أدى إلى هفوات فردية قاتلة.
  • ⚙️ التفوق التكتيكي للبدلاء: التبديلات التي أجراها مدرب النمسا ضخت دماء جديدة سرعت من إيقاع الهجوم.
  • 🎯 استغلال المساحات: اندفاع الأردن للهجوم ترك مساحات شاسعة في الخلف استغلتها النمسا بذكاء.

بعد هدف النيران الصديقة، حاول الجهاز الفني الأردني تدارك الموقف عبر إجراء تبديلات هجومية، أملا في تكرار سيناريو العودة. اندفع الفريق بكامل ثقله نحو الهجوم، مجازفا بترك خطوطه الخلفية مكشوفة تماما. هذا الاندفاع، رغم كونه خيارا حتميا للبحث عن التعديل، إلا أنه قدم للمنتخب النمساوي هدية لا تقدر بثمن. فالمساحات الشاسعة خلف المدافعين كانت مسرحا مثاليا للمرتدات السريعة. لم تشهد الدقائق المتبقية أي جديد على المستوى الهجومي للأردن، حيث اصطدمت محاولاتهم بجدار دفاعي نمساوي منظم للغاية، أغلق كل المنافذ المؤدية لمرماه واعتمد على تشتيت الكرات بأمان.

بينما كانت المباراة تلفظ أنفاسها الأخيرة وتتجه نحو نهايتها بفوز النمسا بهدفين لهدف، وجه ماركو أرناوتوفيتش الضربة القاضية للنشامى. ففي الوقت بدل الضائع، ومن هجمة مرتدة سريعة، ارتكب الدفاع الأردني المحبط خطأ داخل منطقة الجزاء، لم يتردد الحكم في احتسابه ضربة جزاء. تقدم أرناوتوفيتش بثقة وخبرة السنين ليترجمها بنجاح إلى الهدف الثالث، منهيا اللقاء بانتصار منتخب بلاده بنتيجة 3-1. هذه النتيجة القاسية في تفاصيلها، رغم الأداء الرجولي والروح القتالية العالية التي أظهرها المنتخب الأردني، تؤكد أن الأخطاء الصغيرة في المونديال تدفع ضريبتها مضاعفة، وأن النوايا الحسنة وحدها لا تكفي لحسم المباريات المليئة بالتعقيدات التكتيكية.

Sur le meme sujet

التحليل التكتيكي لخسارة المنتخب الأردني والفوارق الفنية

للوقوف على الأسباب الحقيقية والموضوعية التي أدت إلى هذه الخسارة الافتتاحية للمنتخب الأردني في كأس العالم 2026، يجب علينا الغوص بعمق في التحليل التكتيكي ومقارنة الأداء الفني بين الفريقين. من الناحية المنهجية، اعتمدت النمسا على هيكل تنظيمي مرن يتحول من 4-2-3-1 في حالة الدفاع إلى 4-3-3 هجومية مع تقدم الأظهرة بشكل مكثف. هذا التحول الديناميكي خلق تفوقا عدديا ملحوظا في منطقة العمليات (وسط الميدان)، مما جعل لاعبي الأردن يركضون كثيرا خلف الكرة. السيطرة النمساوية على الاستحواذ لم تكن سلبية، بل كانت موجهة لاختراق العمق واستغلال أنصاف المساحات، وهو أسلوب منهك جدا للمنظومة الدفاعية الخصمة التي تضطر لتعديل تمركزها باستمرار.

في المقابل، بدأ المنتخب الأردني بخطة تميل إلى التحفظ 4-4-2 الدفاعية، مع الاعتماد على تضييق المساحات واللعب على التحولات السريعة (المرتدات). نجح هذا الأسلوب جزئيا، خاصة في الشوط الثاني الذي شهد تسجيل هدف التعادل، لكن المشكلة الأساسية تكمن في الاستمرارية البدنية لتطبيق هذا النهج طوال 90 دقيقة. الفوارق البدنية كانت واضحة بشكل كبير، خاصة في الالتحامات الهوائية والثنائيات على الأرض، حيث مالت الكفة بوضوح لصالح اللاعبين النمساويين الذين يمتلكون خبرة واسعة في الدوريات الأوروبية التي تتسم بالرتم العالي. من المثير للاهتمام مقارنة هذا الأداء التكتيكي بأساليب فرق أخرى تعتمد على القوة البدنية، تماما كما نرى عند تحليل مسيرة المنتخب الأمريكي في مونديال 2026، والذي يستثمر قوته البدنية وعامل الأرض لفرض أسلوبه على المنافسين.

لتوضيح هذه الفوارق بلغة الأرقام، يمكننا استعراض إحصائيات تقريبية تعكس واقع مجريات المباراة، والتي تبرز أين تفوقت النمسا وأين عانى الأردن:

المؤشر التكتيكي 📊 منتخب النمسا 🇦🇹 المنتخب الأردني 🇯🇴
نسبة الاستحواذ على الكرة 62% 38%
دقة التمرير في الثلث الأخير 81% 64%
الالتحامات الثنائية الناجحة 58% 42%
الفرص المحققة للتسجيل (xG) 2.8 0.9
الركض الكلي بالكيلومترات 112 كم 106 كم

من خلال قراءة هذا الجدول، يتضح أن الاستحواذ النمساوي العالي اقترن بفعالية هجومية ودقة في التمرير في المناطق الخطرة. الخلل الأكبر في المنظومة الأردنية كان في مرحلة « الانتقال من الدفاع إلى الهجوم » (Transition Phase). عند افتكاك الكرة، كان يتم فقدانها بسرعة بسبب الضغط العكسي (Gegenpressing) الذي مارسه النمساويون ببراعة. هذا الضغط العكسي منع الأردن من بناء هجمات منظمة وأجبر الحارس والمدافعين على إرسال كرات طولية عشوائية، غالبا ما كانت من نصيب مدافعي النمسا طوال القامة. إن معالجة هذا الخلل يتطلب تدريبا مكثفا على الخروج بالكرة تحت الضغط، وتوفير خيارات تمرير آمنة للاعب المستحوذ على الكرة.

ورغم هذه الفوارق، لا يجب إغفال الجوانب المضيئة في الأداء الأردني. الروح الانضباطية العالية، والالتزام بتعليمات المدرب في تضييق الخناق في العمق، أحبطت العديد من الهجمات النمساوية المنسقة. الحارس الأردني قدم أداء لافتا وتصدى لعدة كرات حاسمة كادت أن ترفع الغلة. إن الخسارة التكتيكية لا تعني الفشل المطلق، بل هي جزء من منحنى التعلم الضروري لأي منتخب يخطو خطواته الأولى في كأس العالم. التحليل الدقيق لهذه الأخطاء وتفكيكها منهجيا سيكون المفتاح الأساسي لتطوير الأداء في المباريات المتبقية، حيث لا يزال هناك متسع من الوقت لتعديل المسار وتحسين الصورة التكتيكية للنشامى.

حظوظ النشامى في المجموعة العاشرة وما يجب تغييره للمستقبل

مع طي صفحة المباراة الافتتاحية بكل ما حملته من آلام وآمال، تتجه الأنظار الآن نحو المستقبل وحسابات المجموعة العاشرة المعقدة. المنتخب الأردني يجد نفسه في ذيل الترتيب بدون نقاط، متخلفا عن النمسا والأرجنتين اللتين تتصدران المجموعة. الخسارة بنتيجة 3-1 خلقت فارقا سلبيا في الأهداف يجب تداركه، وهو عامل حاسم قد يلعب دورا كبيرا في تحديد هوية المتأهلين للدور القادم. المواجهتان القادمتان للنشامى ستكونان بمثابة نهائيات لا تقبل أنصاف الحلول، الأولى أمام المنتخب الجزائري الشقيق في ديربي عربي خالص يحمل طابعا تنافسيا شرسا، والثانية أمام العملاق الأرجنتيني المدجج بالتاريخ والنجوم.

المباراة القادمة ضد الجزائر تتطلب مقاربة ذهنية وتكتيكية مختلفة تماما. المنتخبات العربية عندما تتواجه في المحافل الدولية، غالبا ما تطغى الحماسة والاندفاع البدني على الجوانب التكتيكية المحضة. المنتخب الجزائري يمتلك سرعات فائقة على الأطراف وقوة بدنية هائلة في وسط الميدان. لكي ينجح الأردن في تجاوز هذا الاختبار، يجب على الجهاز الفني العمل بشكل عاجل على ترميم الثقة بالنفس لدى اللاعبين، خاصة بعد الإحباط الذي خلفه الهدف العكسي وضربة الجزاء المتأخرة. الاستقرار الدفاعي يجب أن يكون الأولوية القصوى، مع تحسين جودة التحولات الهجومية لضمان استغلال المساحات التي قد يتركها تقدم ظهيري المنتخب الجزائري.

أما التحدي الأكبر فسيكون في الجولة الأخيرة أمام المنتخب الأرجنتيني. مواجهة فريق بهذا الحجم تتطلب واقعية مفرطة. الدفاع المتأخر واللعب بكتلة واحدة (Low Block) قد يكون الخيار الأنجع لامتصاص الهجمات اللاتينية المتعاقبة. التحضير لهذه المباراة يجب أن يبدأ منذ الآن من خلال دراسة دقيقة لأنماط لعبهم وتحديد مصادر الخطورة. رياضيا، الأمل لا يزال موجودا؛ فتحقيق نتيجة إيجابية أمام الجزائر قد يضع الأردن في موقف يسمح له بالمنافسة على إحدى بطاقات التأهل، سواء كوصيف للمجموعة أو ضمن أفضل الثوالث (حسب نظام البطولة وتوزيع المجموعات). كرة القدم عودتنا دائما على أن المستحيل ليس ضمن قاموسها، وأن المباريات تحسم على أرضية الميدان وليس على الورق.

لتحقيق هذه الأهداف، يجب إجراء تغييرات ملموسة في أسلوب الإدارة الفنية للمباريات المتبقية. أولا، ضرورة التدوير الذكي للاعبين لتجنب الإرهاق البدني الذي ظهر جليا في الدقائق الأخيرة أمام النمسا. ثانيا، تكثيف العمل على الكرات الثابتة، سواء دفاعيا لتجنب الأخطاء الساذجة، أو هجوميا كأحد أهم أسلحة التسجيل للفرق التي تعاني في الاستحواذ. ثالثا، تفعيل دور المهاجم الوهمي لخلق كثافة عددية في خط الوسط ومساندة الدفاع عند فقدان الكرة. هذه الخطوات المنهجية، إذا ما تم تطبيقها بصرامة وانضباط، يمكن أن تحدث الفارق المطلوب.

ختاما للتحليل المتعلق بمسار المجموعة، فإن المشاركة الأولى بحد ذاتها هي إنجاز يحسب للكرة الأردنية، والضغوط يجب أن ترفع عن كاهل اللاعبين ليقدموا أفضل ما لديهم دون خوف من النتائج. الجماهير الوفية التي قطعت آلاف الأميال للوصول إلى أمريكا الشمالية لمساندة فريقها تستحق أن ترى ردة فعل قوية وروحا قتالية لا تستسلم. مونديال 2026 هو فرصة ذهبية لاكتساب خبرات غير مسبوقة، والدروس المستفادة من خسارة سانتا كلارا يجب أن تكون الوقود الذي يحرك عجلة التطور في المباريات القادمة، ليثبت النشامى أنهم جاؤوا لينافسوا، وليرسخوا أقدامهم بثبات على خريطة كرة القدم العالمية.

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *

Prouvez que vous êtes humain : 10   +   7   =