قوات الأمن المغربية تعتقل ما يقرب من 300 مهاجر حاولوا الوصول إلى سبتة الإسبانية

قوات الأمن المغربية تعتقل ما يقرب من 300 مهاجر حاولوا الوصول إلى سبتة الإسبانية

أفاد التلفزيون الرسمي المغربي، اليوم الأحد، بأن قوات الأمن المغربية اعتقلت 294 مهاجراً من دول أفريقيا جنوب الصحراء، بينما كانوا يحاولون الوصول إلى مدينة سبتة الإسبانية براً وبحراً. وجاءت هذه العملية بعد ساعات من رصد تجمعات لنحو 300 شخص في المناطق الجبلية المحيطة بالمدينة، وسط تشديد الإجراءات الأمنية على طول الحدود إثر دعوات واسعة لتنفيذ عملية عبور جماعي.

وتُعدّ هذه العملية الأحدث في سلسلة عمليات نوعية باشرتها المصالح الأمنية المغربية منذ أسابيع، عقب موجة تدفق غير مسبوقة من المهاجرين نحو سبتة أدت إلى توتر دبلوماسي مع إسبانيا. وبحسب مصدر أمني مطلع، فإن التدخل تمّ بشكل استباقي، ما حال دون وصول أي مهاجر إلى السياج الحدودي أو الشواطئ المجاورة.

عملية أمنية محكمة في المناطق الجبلية

أوضح مصدر أمني مغربي أن المصالح الاستعلاماتية رصدت، صباح السبت 15 غشت 2026، تمركز مجموعات من المهاجرين غير النظاميين داخل الغابات والمرتفعات الجبلية المحاذية لسبتة، ومعظمهم ينحدرون من دول الساحل والصحراء. وتمّ نشر قوات التدخل السريع في محيط المدينة، مع تعزيز الدوريات الراجلة والآلية على امتداد خط التماس.

وأسفرت العملية عن اعتقال 294 مهاجراً، بينهم نساء وقاصرون، تم نقلهم إلى مراكز استقبال مؤقتة بمدن المضيق والفنيدق وباب سبتة. كما تم ضبط أدوات حادة، ودراجات نارية بعضها معدّ للاستخدام في عمليات الاقتحام، إضافة إلى خرائط وسائل توضح نقاط الضعف المحتملة في السياج.

رصد مسبق وإحباط قبل الوصول إلى الأسلاك الشائكة

لم تكن العملية وليدة الصدفة، فقد أفادت مصادر متطابقة بأن جهاز المراقبة الإلكترونية التابع للمديرية العامة للأمن الوطني رصد تحركات غير اعتيادية مطلع الأسبوع، بعد أن ناشد ناشطون على وسائل التواصل الاجتماعي إلى تنظيم «هجرة جماعية» للاحتجاج على التشديد الإسباني في تأشيرات العبور. وتمّ تحريك طائرات مسيّرة وفرق استطلاع لمراقبة مداخل الغابات.

هذا التحضير الدقيق مكّن من تطويق المتحدرين من مالي والسنغال والكاميرون وتشاد قبل وصولهم إلى القرى الحدودية، ونفذت عناصر الأمن عمليات تمشيط واسعة طالما استمرت أكثر من 14 ساعة متواصلة. ويؤكد المحلل الأمني محمد بنعلي أن «الاستخبارات المغربية أصبحت تعتمد على معطيات ميدانية فورية، وهو ما يجعل أي محاولة عبور محطة لتفاعل سريع ومؤلم للمنظمين».

Sur le meme sujet

السياق الأسوأ منذ سنوات

هذه الحادثة تأتي بعد أسبوعين فقط من تدفق قياسي تجاوز 72 ألف مهاجر نحو سبتة خلال 48 ساعة، وهو ما وصفته مدريد بأنه «أخطر أزمة حدودية» في تاريخ المدينة الخاضعة للإدارة الإسبانية على الساحل المغربي. وقد خلفت هذه الذروة اضطرابات داخل الأحياء الفقيرة، وسط تحذيرات من منظمات إنسانية من وضع متدهور.

وتشير سجلات اللجنة الدولية للصليب الأحمر إلى أن موجة التدفق السابقة أسفرت عن مقتل 80 شخصاً على الأقل بحسب الرواية الإسبانية، بينما تتحدث السلطات المغربية عن 11 وفاة مؤكدة، إضافة إلى مئات المفقودين أثناء محاولات العبور البحري المروع عبر حلقات السباحة. هذه التفاوتات في الأرقام تعكس حالة الاستقطاب في ملف الهجرة الحساس.

ندوب الماضي تعود للواجهة

سبقت هذه الأمواج أحداث عام 2021، حين تدفق نحو 8 آلاف مهاجر دفعة واحدة، لكن الرقم الحالي الصغير نسبياً يثبت أن التنظيمات الإجرامية باتت أكثر جرأة في استثمار صعوبات المنطقة. وأصبحت الهجرة غير الشرعية تجارة رائجة، تُدار عبر تطبيقات مشفرة ومسيّرات مموّلة من شبكات دولية معقدة.

وفي المقابل، تجد الرباط نفسها أمام تعقيد مزدوج: إرضاء الإسبان ميدانياً، مع عدم إغضاب الشعوب الإفريقية التي تتهمها بالتواطؤ مع «حديقة أوروبا». وتلمح دبلوماسيون أوروبيون إلى أن المغرب بات يستخدم ورقة الحدود في التفاوض على ملفات أوسع، كالصيد البحري والاتفاق الزراعي مع الاتحاد الأوروبي.

Sur le meme sujet

التعاون الأمني المغربي-الإسباني يصل إلى مستوى جديد

يكشف نجاح العملية الأخيرة عن تراجع عميق في التنسيق بين الرباط ومدريد في تدقيق ملف الهجرة. وقد زادت وتيرة الاجتماعات التقنية المشتركة خلال المنتصف الثاني من العام الجاري، حيث تمّ تبادل معلومات لحظية حول تحركات الأطقم البحرية ومراكز التجنيد. وبحسب تقارير صحفية، وصل عدد الضباط الإسبان المرابطين في المقاطعات المغربية إلى أعلى مستوياته منذ 2012.

وتتقاطع هذه الجهود مع خطط أوروبية جديدة لتمويل حرس سواحل إفريقيا الغربية، حيث تعهدت المفوضية مؤخراً بمنح المغرب 350 مليون يورو ضمن برنامج «التنمية والهجرة» الذي يشمل تدريب عناصر الأمن على تقنيات متطورة لمراقبة الحدود. ويؤكد مراقبون أن هذه الحزمة المالية ستجعل الرباط رقماً صعباً في معادلة الهجرة المتوسطية.

إجراءات ميدانية أثبتت فعاليتها

لا تقتصر الاستراتيجية المغربية على الرد الفوري، بل تتجاوزها إلى إجراءات وقائية طويلة الأمد، أبرزها:

🛡️ تعزيز الأسوار: رفع القدرة الاستيعابية للسياج الحدودي وتزويده بأنظمة إنذار ذكية بأجهزة رادار مدمجة.

🛡️ الدوريات البحرية: نشر زوارق سريعة مجهزة بكاميرات حرارية ليلية على طول الساحل الشمالي.

🛡️ المراقبة الجوية: استخدام طائرات مسيّرة بمدى تشغيلي يفوق 300 كيلومتر لمسح المسالك الجبلية.

🛡️ التفكيك الشبكات: تفكيك نحو 35 شبكة للهجرة السرية خلال 2026 حسب أرقام الداخلية المغربية.

🛡️ الحوار المجتمعي: إطلاق مبادرات لتوظيف الشباب القاطنين بالقرب من المعابر، وتوجيههم بدلاً من استغلالهم.

Sur le meme sujet

معاناة منسيّة بين ضفتين

على الرغم من اللغة الأمنية الصارمة، يطرح الخبير في شؤون اللجوء خالد الإدريسي سؤالاً ملحاً: «من يذكر سيراليونيين حاولوا العبور؟». ويضيف أن من بين المعتقلين عدداً من العائدين من ليبيا، والذين يقصون حكايات مأساوية عن احتجازهم في زنازين مكتظة وهم يتعرضون لعنف المنظمات الإجرامية. تقابل هؤلاء عائلات أفريقية فقيرة تدفع مبالغ تفوق أسعار زيارة أوروبا السياحية، رهناً بنجاح أبنائها في نهر الموت.

ويشير تقرير المنظمة الدولية للهجرة إلى أن عدد غير النظاميين الذين حاولوا الوصول إلى سبتة ومليلية منذ فاتح 2026 ناهز 1,700 شخص، 187 منهم فُقدوا في البحر أو تحطمت جثثهم على الصخور. وبين هذا الموت الصامت وعمليات الخطف الأمنية، تبقى سبتة أحجية معقدة، معروضة على طاولة مفاوضات لا تبت إلا على مضض.

بين ضغوط اليمين الأوروبي ووعود التنمية الأفريقية

يبدو الملف الحدودي رهينة لسياسة تقلّبات اليمين الإسباني، الذي استغل أزمة الهجرة لشن حملة انتخابية مبكرة خريف 2025، مطالباً بنشر عسكري دائم على السياج. وفي موازاة ذلك، يرفع الاتحاد الإفريقي صوته مطالباً بإنهاء «عبودية الحدود» التي ترسمها اتفاقية استعمارية قديمة تطالب بنقل سيادة المدينتين.

وقد بدت الرباط متحفظة في ردودها الرسمية، لتراهن على وساطة فرنسية وإيطالية لتحويل الملف من أزمة سيادية إلى ملف تنمية اقتصادية مشتركة، ولو أنّ الحسم النهائي يظل معلقاً بكيفية احتواء هذه الضغوط داخل ثنائية أمنية متشابكة.

ماذا يعني نجاح عملية اليوم؟

في الطيف الأوسع، تُظهر العملية أن مغرب العشرية الثالثة أصبح متسلحاً بقدرات أمنية ذاتية مضاعفة، فلم يعد يعتمد على حواجز مادية فحسب، بل على كتلة معلوماتية بشرية وتقنية تسبق تحركات الأفراد. وربما تكمن المفارقة في أن هذا النجاح الميداني يضاعف مسؤولية المجتمع الدولي، حيث كلما أُحكم الإغلاق، زاد اليأس داخل المجتمعات الأصولية، وربما تغذّي العمليات الإنسانية المضادة عبثاً أكبر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أثبت أنك إنسان: 0   +   9   =