🌍 السياق العالمي والدينامية الفكرية لمنتدى حقوق الإنسان بمهرجان كناوة 2026
في ظل عالم يتسم بتغيرات جذرية وسريعة على كافة الأصعدة، تنطلق فعاليات الدورة الثالثة عشرة من منتدى حقوق الإنسان، المنظم في إطار الأنشطة الموازية لمهرجان كناوة وموسيقى العالم بمدينة الصويرة. لا يعتبر هذا المنتدى مجرد مساحة احتفالية أو ملحقاً تكميلياً للمهرجان، بل تحول بمرور السنوات إلى ركيزة أساسية ومنصة لا غنى عنها للتفكير العقلاني والنقاش الحر. في هذه الدورة المقررة يومي 26 و27 يونيو 2026، تتجه الأنظار نحو تيمة بالغة الأهمية والحساسية اختار لها المنظمون شعار: « شباب العالم: الحرية، الهوية، والمستقبل ». يعكس هذا الاختيار وعياً عميقاً بحجم التحديات التي تواجه الأجيال الجديدة، والتي تجد نفسها اليوم في خضم عواصف جيوسياسية، وتحولات تكنولوجية متسارعة تعيد صياغة مفاهيم التواصل الإنساني، فضلاً عن الأزمات المناخية التي تهدد استقرار الكوكب بأسره.
إن التحليل المنهجي للواقع الراهن يكشف أن المجتمعات المعاصرة تمر بمرحلة انتقالية دقيقة. فالتوترات الجيوسياسية المتصاعدة لم تعد مقتصرة على صراعات الحدود، بل امتدت لتشمل حروباً اقتصادية ومعلوماتية تؤثر بشكل مباشر على الآفاق المستقبلية للشباب. وفي هذا السياق المعقد، يبرز القلق المتزايد بشأن المنظومة الحقوقية العالمية، حيث أصبح النقاش حول خطر تآكل القانون الدولي وتراجع الضمانات الأساسية لحقوق الإنسان أمراً ملحاً يستوجب وقفة تأملية عميقة. من هنا، يكتسب منتدى الصويرة أهميته كفضاء آمن يسمح بتشريح هذه القضايا وطرح أسئلة جوهرية حول كيفية بناء جدار منيع يحمي المكتسبات الحقوقية، ويوفر للشباب بيئة تضمن لهم ممارسة حرياتهم الأساسية دون قيود تعسفية.
لقد أثبت منتدى حقوق الإنسان بالصويرة، منذ انطلاقته، قدرته الاستثنائية على الربط العضوي بين الثقافة والفكر، وبين الفن والالتزام المدني. فالمدينة، التي لطالما كانت ملتقى للحضارات ومرفأ للتسامح، توفر الإطار المثالي لاحتضان حوارات عابرة للقارات. إن إعادة تشكيل الهويات في العصر الرقمي تضع الشباب أمام رهانات غير مسبوقة؛ فهم مطالبون بالتوفيق الدائم بين الانتماء لجذورهم الثقافية المحلية والانفتاح على ثقافة كونية تفرضها العولمة. هذه الثنائية المعقدة تخلق نوعاً من الارتباك الهوياتي الذي يتطلب تفكيكاً سوسيولوجياً وفلسفياً، وهو ما يسعى المنتدى لتحقيقه من خلال استقطاب نخبة من المفكرين والباحثين من مختلف أنحاء العالم.
علاوة على ذلك، يشكل المنتدى فرصة لتقييم السياسات العامة الموجهة للشباب على المستوى الدولي والمحلي. فالتحديات لم تعد تقتصر على توفير فرص الشغل التقليدية، بل تتعداها إلى ضمان جودة التعليم، وتوفير بيئة مشجعة على الابتكار، وتعزيز المشاركة السياسية والمدنية. إن التفكير في المستقبل لا يمكن أن يتم بمعزل عن الفئة التي ستصنع هذا المستقبل، ولهذا يحرص المنتدى على جعل الشباب ليس مجرد موضوع للدراسة والتحليل، بل فاعلاً رئيسياً وشريكاً أساسياً في صياغة التوصيات والبدائل. هذا النهج التشاركي يضفي مصداقية كبيرة على مخرجات المنتدى ويجعله مختبراً حقيقياً للأفكار المبتكرة.
إن استضافة هذا الحدث الفكري ضمن فعاليات مهرجان موسيقي بحجم مهرجان كناوة يبعث برسالة قوية مفادها أن الفرح والاحتفال لا يتعارضان مع التفكير العميق والالتزام بقضايا الإنسانية. بل على العكس، تشكل الموسيقى، بطبيعتها العابرة للحدود، لغة عالمية تسهل تمرير الرسائل الحقوقية وتكسر الحواجز النفسية والثقافية بين المتحاورين. هكذا، تتحول الصويرة خلال هذه الفترة إلى عاصمة عالمية للحوار، حيث تتلاقى إيقاعات كناوة مع النقاشات الفلسفية والسياسية في انسجام تام، لتؤكد أن بناء المستقبل يتطلب تضافر جهود الجميع، مؤسسات ومجتمع مدني، مفكرين وفنانين، والأهم من ذلك كله، انخراط الشباب الواعي بمسؤولياته التاريخية.
Sur le meme sujet
💡 وضع الشباب في قلب التفكير النقدي: الحرية والهوية والسياسات العمومية
يشكل التركيز على فئة الشباب في الدورة الثالثة عشرة لمنتدى حقوق الإنسان خطوة استراتيجية تتجاوز مجرد اختيار موضوع موسمي لتصل إلى صميم الإشكاليات الهيكلية التي تعاني منها المجتمعات المعاصرة. لقد أدرك القائمون على المنتدى أن التغاضي عن تطلعات الأجيال الصاعدة وتهميش أصواتهم في دوائر صنع القرار يؤدي حتماً إلى اتساع الفجوة بين المؤسسات والمواطنين. لذلك، تم تصميم برنامج هذه الدورة ليكون منصة حقيقية تضع الشباب في قلب النقاش حول الحرية والهوية والمستقبل، من خلال استدعاء شخصيات تمتلك تجارب غنية ورؤى متقاطعة قادرة على إثراء الحوار وتقديم مقاربات غير تقليدية.
تتجسد الأهمية الفكرية للمنتدى منذ اللحظات الأولى لانطلاقه، حيث أوكلت مهمة تقديم الدرس الافتتاحي للفيلسوف السنغالي وأستاذ جامعة كولومبيا، سليمان بشير ديان. إن اختيار شخصية بهذا الثقل الأكاديمي ليس اعتباطياً؛ فديان معروف بقدرته على تفكيك المفاهيم المعقدة المتعلقة بالهوية الكونية وتصحيح مسارات التفكير الإنساني. سيتناول في درسه أبرز القضايا التي تشغل وجدان الشباب عبر العالم، مقدماً إطارا نظريا يربط بين الفلسفة الإفريقية والتحديات العالمية الحديثة، مما يهيئ الأرضية لنقاشات عميقة ومثمرة طيلة أيام المنتدى. هذا التأطير الفلسفي ضروري لفهم الديناميات الخفية التي تحرك سلوكيات الشباب ومواقفهم تجاه قضايا الالتزام والحرية.
ومن أبرز المحطات التي ستشهدها هذه الدورة، تنظيم حوار تفاعلي ومباشر يحمل عنوان « الحريات موضع تساؤل: أن تكون شاباً في عالم متوتر ». يجمع هذا الحوار بين محمد المهدي بنسعيد، وزير الشباب والثقافة والتواصل المغربي، ونجاة فالو بلقاسم، الوزيرة الفرنسية السابقة للتربية الوطنية ورئيسة جمعية « فرانس تير دازيـل ». تكمن القيمة المضافة لهذا اللقاء في تقاطع مسارات المتدخلين، اللذين تقلدا مسؤوليات حكومية جسيمة في سن مبكرة جداً. سيقوم المتدخلان بتشريح السياسات العمومية الموجهة للشباب على ضفتي البحر الأبيض المتوسط، وتسليط الضوء على الإخفاقات والنجاحات في تدبير ملفات حساسة ترتبط بالتربية، الثقافة، والإدماج السوسيو-اقتصادي.
📊 خريطة المتدخلين البارزين في منتدى حقوق الإنسان 2026
لضمان تنوع المقاربات وشمولية التحليل، حرص المنتدى على تشكيل فسيفساء من المتدخلين الذين يمثلون مشارب فكرية ومؤسساتية مختلفة. يوضح الجدول التالي أبرز الشخصيات المشاركة وأدوارها المحورية في إثراء النقاش:
| الشخصية البارزة 👤 | الصفة والمؤسسة 🏛️ | محور المداخلة والدور الاستراتيجي 🎯 |
|---|---|---|
| سليمان بشير ديان | فيلسوف وأستاذ بجامعة كولومبيا | تقديم الدرس الافتتاحي وتأطير النقاش الفلسفي حول الهوية والشباب. |
| محمد المهدي بنسعيد | وزير الشباب والثقافة والتواصل | مناقشة السياسات العمومية المغربية وتحديات المشاركة المواطنة للشباب. |
| نجاة فالو بلقاسم | وزيرة فرنسية سابقة ورئيسة جمعية | تقديم مقاربة دولية حول التربية والحرية في فضاء البحر الأبيض المتوسط. |
| إدريس اليزمي | رئيس مجلس الجالية المغربية بالخارج | تسليط الضوء على إشكاليات الانتماء وطاقات شباب المهجر الإبداعية. |
| نائلة التازي | منتجة مهرجان كناوة وموسيقى العالم | الربط الاستراتيجي بين قيم الموسيقى (الحوار والتنوع) والتفكير الحقوقي. |
إن إشراك مسؤولين سياسيين جنباً إلى جنب مع فلاسفة وفاعلين مدنيين يعكس رغبة المنتدى في تجاوز التشخيص النظري الصرف والانتقال إلى مرحلة اقتراح بدائل عملية قابلة للتنفيذ. فالتحديات المرتبطة بالمشاركة المواطنة للشباب تتطلب إعادة هندسة شاملة للبرامج الحكومية والمبادرات المدنية، بحيث تصبح أكثر استجابة للمتطلبات الحقيقية للأجيال الشابة. ولا يمكن تحقيق ذلك إلا من خلال الإنصات المباشر لاهتماماتهم وتفكيك المعيقات الإدارية والثقافية التي تحول دون مساهمتهم الفعالة في صياغة القرار.
Sur le meme sujet
🎨 الفنون والثقافات كمساحة للإبداع والمقاومة في وجه التحولات
لا يقتصر مفهوم حقوق الإنسان على النصوص القانونية والاتفاقيات الدولية المنظمة للحقوق المدنية والسياسية؛ بل يمتد ليشمل الحقوق الثقافية وحرية التعبير الفني والإبداعي. وفي هذا السياق، يخصص المنتدى مائدته المستديرة الأولى لموضوع في غاية الأهمية تحت عنوان « الفنون والثقافات: الإبداع من أجل الوجود ». تناقش هذه الجلسة الوظيفة الجوهرية للفن، ليس باعتباره ترفاً جمالياً، بل بوصفه أداة حيوية للمقاومة السلمية، والتعبير عن الذات، وإثبات الوجود في مواجهة محاولات التنميط الثقافي والتهميش الاجتماعي. فالفن، بمختلف تجلياته، يشكل الملاذ الآمن الذي يلجأ إليه الشباب لترجمة هواجسهم وأحلامهم وانتقاداتهم للواقع.
ولعل اختيار مدينة الصويرة لاحتضان هذا النقاش يضفي عليه دلالة رمزية عميقة. فموسيقى كناوة، التي تعتبر الروح النابضة للمدينة، هي في أصلها موسيقى تحرر ومقاومة ابتكرتها أجيال عانت من الاستعباد والتهميش لتأكيد إنسانيتها وحقها في الوجود. انطلاقاً من هذا الإرث التاريخي، تؤكد نائلة التازي، منتجة المهرجان، أن المنتدى الفكري هو انعكاس طبيعي للقيم التي تروج لها خشبات الموسيقى. فالحوار بين الآلات الموسيقية المختلفة وتمازج الإيقاعات العالمية مع النغمات الكناوية هو تجسيد حي للقدرة على بناء مشترك إنساني يحترم التنوع ويحتفي بالاختلاف.
إن الإبداع الفني اليوم يلعب دوراً حاسماً في تسليط الضوء على قضايا حقوقية قد تغفلها التقارير الرسمية. فمن خلال السينما، والمسرح، والفنون التشكيلية، والموسيقى الحضرية، يتمكن الشباب من إيصال رسائل قوية حول العدالة الاجتماعية، والمساواة بين الجنسين، والحريات الفردية. وكثيراً ما تقف هذه التعبيرات الفنية سداً منيعاً أمام التراجعات الحقوقية؛ إذ يعكس الفن نبض الشارع وينقل معاناة الفئات الهشة بطريقة تلامس الوجدان وتستفز العقول. وفي أحيان كثيرة، يصبح الفنانون أنفسهم عرضة للتضييق بسبب مواقفهم الجريئة، مما يحيلنا إلى أهمية توفير حماية قانونية ومجتمعية لحرية الإبداع، وهو ما يتطابق مع سياقات حقوقية أوسع تشمل التضامن المدني، كما هو الشأن عند إدانة اعتقال نساء في قضايا حقوقية، حيث تتضافر جهود المجتمع المدني للدفاع عن حريات التعبير والنشاط الحقوقي.
خلال أشغال هذه المائدة، سيشارك عدد من الفنانين والكتاب والباحثين لتقاسم تجاربهم الشخصية والمهنية. سيتم تسليط الضوء على كيفية تحويل المنصات الرقمية إلى معارض فنية مفتوحة تتجاوز الرقابة المؤسساتية وتصل إلى جمهور عالمي. كما سيتم التطرق إلى دور الصناعات الثقافية والإبداعية في توفير بدائل اقتصادية للشباب، مما يسهم في تحقيق الاستقلالية المادية التي تعد شرطاً أساسياً للممارسة الحرة للحقوق. إن الاستثمار في الفن هو استثمار مباشر في السلم الاجتماعي وفي بناء مجتمعات مرنة قادرة على استيعاب التناقضات وحلها سلمياً.
وخلاصة القول في هذا المحور، إن الفضاءات الثقافية لم تعد مجرد أماكن لاستهلاك المنتوج الفني، بل أصبحت « مختبرات مواطنة » يتعلم فيها الشباب أبجديات الحوار الديمقراطي وقبول الرأي الآخر. ومن خلال تعزيز هذه الفضاءات ودعم المبادرات الشبابية المبتكرة، يمكن تحويل الطاقات الكامنة إلى قوة دافعة تساهم في الارتقاء بالذوق العام وترسيخ ثقافة حقوق الإنسان بشكل سلس ومستدام.
🧭 هويات في حركة مستمرة: النمو وتشكيل الانتماء بين العوالم المختلفة
في عصر يتسم بسيولة الحدود وتداخل الثقافات بفضل الثورة الرقمية وحركة الهجرة العالمية، أصبح مفهوم « الهوية » واحداً من أكثر المفاهيم تعقيداً واستعصاءً على التأطير الكلاسيكي. لم تعد الهوية معطىً ثابتاً يولد به الإنسان ويحمله كختم نهائي، بل استحالت سيرورة ديناميكية تتشكل وتتطور باستمرار. ولأجل مقاربة هذا التحول، خصص منتدى حقوق الإنسان في دورته الحالية بالشراكة مع مجلس الجالية المغربية بالخارج، المائدة المستديرة الثانية لموضوع « هويات في حركة: النمو بين العوالم »، بمشاركة نخبة متميزة من الروائيين، وعلماء الاجتماع، والمفكرين الذين سيفككون طلاسم الانتماء في عالم متغير.
لقد أبرز إدريس اليزمي، رئيس مجلس الجالية المغربية بالخارج، أن التحديات التي تواجه شباب العالم اليوم، وخاصة شباب المهجر، هي تحديات بنيوية تتطلب مقاربات سوسيولوجية ونفسية دقيقة. فهؤلاء الشباب يعيشون حالة من التقاطع المستمر بين مرجعيات ثقافية متعددة؛ مرجعية بلد المنشأ التي تحمل ثقل التاريخ العائلي والقيم التقليدية، ومرجعية بلد الإقامة التي تفرض شروطها وأنماط عيشها. هذا التموقع « بين عوالم متعددة » ليس بالضرورة مصدر ضعف أو تشتت، بل إنه، وكما يؤكد الخبراء، يشكل رصيداً أساسياً وطاقة ابتكارية هائلة إذا ما تم استيعابه وتوجيهه بشكل إيجابي.
📌 أبرز التحديات الهوياتية التي تواجه الشباب في العصر الراهن
لتبسيط تعقيدات هذا المشهد السوسيولوجي، يمكن رصد مجموعة من التحديات والمفارقات التي تصيغ وجدان الأجيال الشابة وتؤثر على تمثلاتهم لأنفسهم وللآخر، والتي سيتم تداولها بعمق خلال جلسات المنتدى:
- 🌐 الانفصام بين الهوية الرقمية والواقعية: يعيش الشباب اليوم جزءاً كبيراً من حياتهم في الفضاءات الافتراضية، مما يخلق هويات موازية قد تتعارض أحياناً مع حقيقتهم الاجتماعية والمجالية، ويطرح أسئلة حول أصالة التعبير والانتماء.
- 🌍 صراع الأجيال في سياقات الهجرة: التوتر الخفي بين رغبة الآباء المهاجرين في الحفاظ على « نقاء » التقاليد الأصلية، ورغبة الأبناء في الاندماج الكامل والسلس في مجتمعات الاستقبال لتجنب التهميش أو الوصم.
- ⚖️ التوفيق بين الكونية والخصوصية: التحدي المتمثل في تبني قيم عالمية مشتركة (كحقوق الإنسان، البيئة، المساواة) دون التنكر للخصوصيات الثقافية والدينية التي تمنح الفرد تفرده.
- 🗣️ التعدد اللغوي كوسيلة للإقصاء أو الاندماج: كيف يمكن لإتقان لغات متعددة أن يكون أداة لفتح الآفاق، وفي نفس الوقت، كيف يمكن لفقدان اللغة الأم أن يؤدي إلى شعور بفقدان الجذور والانقطاع العاطفي عن الأصول.
إن معالجة هذه التحديات لا تتم عبر فرض قوالب جاهزة أو وصفات سحرية، بل تتطلب توفير فضاءات حرة للتعبير عن هذه التناقضات. فالروايات والأعمال الأدبية المكتوبة بأقلام شباب المهجر، على سبيل المثال، تعتبر من أهم الوثائق السوسيولوجية التي ترصد معاناة « النمو بين العوالم ». فهي تسرد قصصاً حقيقية عن البحث المضني عن الاعتراف، وعن الجهد اليومي لإثبات الجدارة في مجتمعات قد تنظر إليهم أحياناً بعدسة نمطية. ومن هنا تبرز أهمية الإشراك الفعلي للشباب في التفكير الجماعي وفي بلورة السياسات التي تهمهم بشكل مباشر.
إن الهدف الأسمى من هذه المائدة المستديرة ليس الوصول إلى تعريف جامد للهوية، بل الاحتفاء بالتعددية واعتبارها محركاً للتنمية والتطور المجتمعي. فعندما نتقبل فكرة أن الهويات بطبيعتها متحركة ومفتوحة على التأثير والتأثر، فإننا نؤسس لمجتمعات أكثر تسامحاً وقدرة على محاربة خطابات الكراهية والانطواء على الذات، ونفسح المجال أمام هويات هجينة قادرة على لعب دور جسور التواصل بين الحضارات المختلفة.
🚀 أشكال جديدة للالتزام المجتمعي: كيف يعيد الشباب ابتكار الفعل المدني
مع تزايد الشعور بخيبة الأمل تجاه القنوات التقليدية للمشاركة السياسية والمدنية، كالأحزاب الكلاسيكية والنقابات، لم يقف الشباب مكتوفي الأيدي، بل بادروا إلى هندسة مسارات جديدة للتعبير عن التزامهم المجتمعي. هذا التحول النوعي في أنماط الممارسة المواطنة هو محور المائدة المستديرة الثالثة والأخيرة ضمن المنتدى، والتي تحمل عنوان « أشكال جديدة للالتزام: حين يعيد الشباب ابتكار الفعل ». تسعى هذه الجلسة إلى تسليط الضوء على التجارب الميدانية الناجحة التي تقودها طاقات شابة قررت أخذ زمام المبادرة لإحداث تأثير ملموس في محيطها المباشر.
لقد أفرزت التحولات المعاصرة ظهور فاعلين من نوع جديد: رواد الأعمال الاجتماعيين، المؤثرين الإيجابيين على المنصات الرقمية، ونشطاء البيئة الذين يستخدمون التكنولوجيا لتنظيم حملات مناصرة قوية. هؤلاء الفاعلون لم يعودوا ينتظرون توجيهات من هياكل تنظيمية هرمية، بل يعتمدون على التنظيم الشبكي الأفقي السريع والمرن. فبفضل أدوات التواصل الحديثة، أصبح بإمكان مبادرة شبابية محلية صغيرة في مدينة الصويرة أن تحظى بصدى وتضامن عالميين في ظرف وجيز، مما يؤكد أن الفعل المدني قد اكتسب أبعاداً عابرة للقارات.
إن ابتكار الفعل المدني يمر بالضرورة عبر تبني مفاهيم الاقتصاد التضامني، والمبادرات المواطنة القائمة على التطوع، والاعتماد على الذكاء الجماعي. سيستعرض خبراء في التواصل والإعلام، إلى جانب فاعلين جمعويين من أجيال مختلفة، كيف يمكن توظيف هذه الأدوات الحديثة لخلق تغيير هيكلي حقيقي، لا يقتصر على الاحتجاج أو التنديد، بل يمتد لتقديم حلول مبتكرة لمشاكل معقدة تتعلق بالصحة العامة، التعليم، والإدماج المهني. إن هذه الدينامية تثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن الشباب يتمتعون بقدرات ابتكارية استثنائية تشكل رصيداً ثميناً لمستقبل مجتمعاتهم.
من جهة أخرى، يطرح هذا التحول نحو الأشكال الجديدة للالتزام أسئلة حول استدامة هذه المبادرات وقدرتها على التأثير في السياسات العامة الرسمية. فالعمل الشبكي، رغم فعاليته وسرعته، يحتاج إلى إيجاد آليات مؤسساتية تضمن تحويل المطالب الشبابية إلى تشريعات وبرامج عمل مستقرة. وهنا يتجلى دور التظاهرات الكبرى كمنتدى حقوق الإنسان بالصويرة؛ حيث تعمل كحاضنة لتبادل الخبرات وتلاقح الأفكار بين نشطاء المجتمع المدني من جهة، وممثلي المؤسسات الحكومية والمنظمات الدولية من جهة أخرى، بهدف بناء جسور ثقة وتأسيس لعمل مشترك قائم على الاحترام المتبادل والمصلحة العامة.
ختاماً لهذه القراءة التحليلية العميقة، يتبين أن منتدى حقوق الإنسان في دورته المقررة لصيف 2026 لم يعد مجرد حدث موازٍ، بل هو مختبر حي لصناعة الفكر واستشراف الآفاق. على مدى يومين حافلين بالنقاش وتبادل الرؤى، ستتحول مدينة الصويرة، بفضل سحرها التاريخي وطاقتها المتجددة، إلى منصة عالمية تؤكد قناعة راسخة: إن الشباب ليسوا فقط « مستقبل » العالم كما تردد الأدبيات التقليدية، بل هم القوة الفاعلة والمحركة للحاضر، وبسواعدهم وأفكارهم تُبنى اليوم أسس مجتمعات أكثر حرية، وعدالة، واحتراماً للكرامة الإنسانية.

صحفي وكاتب مغربي يتمتع بخبرة تزيد عن خمسة عشر عاماً في تغطية الأخبار المحلية والإقليمية. عمل سابقاً كمراسل ميداني لعدة صحف يومية في الرباط والدار البيضاء قبل انضمامه إلى هيئة تحرير صحيفة أخبار 24، حيث أشرف على خطها التحريري.